الغزالي
71
إحياء علوم الدين
فهو حسن . وإن زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل ، فلا بأس به ، بل هو حسن . وكان ابن المبارك يقدم فاخر الرطب إلى إخوانه ويقول : من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهما وكان يعد النوى ، ويعطى كل من له فضل نوى بعدده دراهم ، وذلك لدفع الحياء ، وزيادة النشاط في الانبساط . وقال جعفر بن محمد رضي الله عنهما أحب إخواني إلى أكثرهم أكلا ، وأعظمهم لقمة . وأثقلهم علىّ من يحوجنى إلى تعهده في الأكل . وكل هذا إشارة إلى الجري على المعتاد وترك التصنع . وقال جعفر رحمه الله أيضا تتبين جودة محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله الخامس : إن غسل اليد في الطست لا بأس به ، وله أن يتنخم فيه إن أكل وحده ، وإن أكل مع غيره فلا ينبغي أن يفعل ذلك . فإذا قدم الطست إليه غيره إكراما له فليقبله . اجتمع أنس ابن مالك وثابت البناني رضي الله عنهما على طعام ، فقدم أنس الطست إليه ، فامتنع ثابت ، فقال أنس : إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها ، فإنما يكرم الله عز وجل : وروى أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير ، فصب الرشيد على يده في الطست ، فلما فرغ قال يا أبا معاوية تدري من صب على يدك ؟ فقال لا قال صبه أمير المؤمنين . فقال يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته ، فاجلك الله وأكرمك كما أجللت العلم وأهله . ولا بأس أن يجتمعوا على غسل اليد في الطست في حالة واحدة ، فهو أقرب إلى التواضع ، وأبعد عن طول الانتظار . فإن لم يفعلوا ، فلا ينبغي أن يصب ماء كل واحد ، بل يجمع الماء في الطست . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] ( اجمعوا وضوءكم جمع الله شملكم ) قيل إن المراد به هذا . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار : لا يرفع الطست من بين يدي قوم الا مملوءة ولا تشبهوا بالعجم . وقال ابن مسعود : اجتمعوا على غسل اليد في طست واحد ولا تستنوا بسنة الأعاجم والخادم الذي يصب الماء على اليد كره بعضهم أن يكون قائما ، وأحب أن يكون جالسا لأنه أقرب إلى التواضع . وكره بعضهم جلوسه فروى أنه صب جالسا على يد واحد خادم جالسا